نشوة الدقيقة الأخيرة

محمد | تحليلات | مارس 7, 2009

أكنت قارىء للكتب، مشاهد للأفلام أو محب للألعاب، جميعها تتشارك في عنصر مهم قد أسميه بنشوة الدقيقة الأخيرة، وهو خلاصة الإمتاع التفاعلي والفني (أو الأدبي، في بعض الحالات) الذي قضيته مع هذا الحدث أكان قصيرا أم طويل، فالأفلام القصيرة لا تقل قيمة عن الأفلام الإعتيادية كونها عادةً تتبع نفس النمط التقليدي في وصولها بالنهاية إلى ذروة قمتها. ذروة القمة ليست بالضرورة أن تكون مشاهد مثيرة مع موسيقى صاخبة، بل هي مجرد ختام للرحلة التي قضيتها مع ذاك الحدث، مهما اتسمت بالهدوء ورواقة البال. وعلى عكس بقية أنواع الألعاب، نادرا ما أرى لعبة فيديو قصيرة تتبع النمط التقليدي في التدرج في أحداثها، فقد نكون عشنا رحلة طويلة تمتد عشرات الساعات في ألعاب إقتماص الأدوار (RPG) وأهلكنا ممالك عديدة في الألعاب الإستراتيجية (RTS) مما يجعلنا أكثر إنغماسا في التجربة الخيالية هذه، ولكن مالذي قد يجعل الألعاب القصيرة تعكس نفس التأثير الضخم الذي تخلّفه بعض الألعاب الطويلة؟ بالطبع، هذا لا يعني أن جميع الألعاب التي تستغرق وقتا طويلا في إنهائها تبني لدى الشخص ذاك الإحساس الغامر، فطول الألعاب قد ينعكس ضدها في كثير من الأحيان، ولكن هذا ليس ما أحاول التطرق إليه.

إذا كنت لعبت Braid التي صدرت العام الماضي قد تعرف ماذا أقصد. Braid تجردت من كل ما يظنه البعض “أساسيات الألعاب”؛ فالقصة التي يقدمها المطور في اللعبة شبه مطموسة ومتناثرة خلف الكتب التي ستقابلها في بداية كل عالم، مع عدم وجود حوارات بين الشخصيات –بل لن ترى حتى جملة واحدة تخرج من فم الشخصية الرئيسية بشكل مباشر. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكنك الموت في اللعبة بتاتا، فسقوطك داخل الحفر المميتة أو ضرب الأعداء لك لن يؤثر على الشخصية بشكل كبير، لأنك تملك خاصية التحكم في الوقت، مما يعني أنك تستطيع وقتما وكيفما تشاء إرجاع الزمن في حال تعرضك لأي نوع من الخطر. ومع أنها ليست بتلك التجربة الطويلة –تستطيع إنهائها في أقل من 4 ساعات– إلا أنها قدمت تجربة ذهنية عاصفة لا مثيل لها. ما السر في هذا إذن؟

مطوروا الألعاب المنفردين (Indie Developers) يعلمون أكثر من غيرهم أن السر في خلق لعبة متكاملة هو إبقاء أسلوب اللعب مثيرا للإهتمام منذ البداية حتى النهاية. لعبة البلاي ستيشن ستور الأخيرة، Flower، لن تستغرق منك اكثر من ساعتين (انهيتها في ساعة ونصف) لترى شاشة النهاية، بل وتستطيع إنهائها في ساعة وحدة إن إستطعت التأقلم بسرعة مع نظام تحكم اللعبة والذي يعتمد بشكل كلي على تقنية الإحساس الحركي. ومع أنني إستمتعت كثيرا في جميع مراحل اللعبة، إلا أن المراحل الأخيرة تم تقديمها بشكل رائع جداً وغير معتاد، كان كفيلاً بأن يجعل تجربة Flower الكاملة لا تقف فقط عند حد الإمتاع البصري، بل تمتد لأبعد من ذلك لتقدم تجربة فريدة من نوعها قد يصعب شرحها ولكنها من دون شك مثيرة للإهتمام.

إن نظرنا لبعض الألعاب المشابهة في الفكرة (تقديم الألعاب في قالب صغير نظرياً)، نرى أن جميعها إعتمدت وبشدة على نشوة الدقيقة الأخيرة. Portal قدّمت مرحلة نهائية جبارة من حيث الفكرة والمضمون، وإستطاعت التفوق على ما يظن البعض أنه نقطة ضعفها، وهو عمر اللعبة. Braid كذلك قدمت مرحلة نهائية أسطورية بمعنى الكلمة وأكثر، حين خرجت عن فكرة اللعب المألوفة لتقدم شيئاً جديداً ومفاجئاً وغير متوقع على الإطلاق. جميع هذه الألعاب متعتها ملموسة منذ البداية، ولكنها تحاول حين أن تختم التجربة القصيرة تقديم تجربة ختامية جديدة تبقى في الأذهان لفترة ليست بالقصيرة. لا أزال أبحث عن المزيد من هذه الأسرار التي تجعل الألعاب القصيرة تتفوق على الكثير من الألعاب الطويلة من ناحية جودة التجربة وعمقها، وفي الحقيقة لا أعرف إن كان هناك المزيد من هذه الأسرار، ولكن ما أتمناه هو عدم توقف هذه التجارب القصيرة والرائعة والتي تبعدنا قليلاً عن التكرار المميت المتواجد في كلاً من الصناعة الغربية والشرقية لعالم الألعاب.



خلاصة التعليقات على هذه التدوينة . رابط تعقيبات "TrackBack" .

جميع الحقوق محفوظة لدى الله عز وجل.